القرطبي

310

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

اختلفوا ، فقالت فرقة : الحق في طرف واحد عند الله ، وقد نصب على ذلك أدلة ، وحمل المجتهدين على البحث عنها ، والنظر فيها ، فمن صادف العين المطلوبة في المسألة فهو المصيب على الاطلاق ، وله أجران أجر في الاجتهاد وأجر في الإصابة ، ومن لم يصادفها فهو مصيب في اجتهاده مخطئ في أنه لم يصب العين فله أجر وهو غير معذور . وهذا سليمان قد صادف العين المطلوبة ، وهي التي فهم . ورأت فرقة أن العالم المخطئ لا إثم في خطئه وإن كان غير معذور . وقالت فرقة : الحق في طرف واحد ولم ينصب الله تعالى عليه دلائل ( 1 ) [ بل ] ( 1 ) وكل الامر إلى نظر المجتهدين فمن أصابه أصاب ومن أخطأ فهو معذور مأجور ولم يتعبد بإصابة العين بل تعبدنا بالاجتهاد فقط . وقال جمهور أهل السنة وهو المحفوظ عن مالك وأصحابه رضي الله عنهم : إن الحق في مسائل الفروع في الطرفين ، وكل مجتهد مصيب ، المطلوب إنما هو الأفضل في ظنه ، وكل مجتهد قد أداه نظره إلى الأفضل في ظنه ، والدليل على هذه المقالة أن الصحابة فمن بعدهم قرر بعضهم خلاف بعض ، ولم ير أحد منهم أن يقع الانحمال على قوله دون قول مخالفه . ومنه رد مالك رحمه الله للمنصور أبي جعفر عن حمل الناس على " الموطأ " ، فإذا قال عالم في أمر حلال فذلك هو الحق فيما يختص بذلك العالم عند الله تعالى وبكل من أخذ بقوله ، وكذا في العكس . قالوا : وإن كان سليمان عليه السلام فهم القضية المثلى والتي أرجح فالأولى ليست بخطأ ، وعلى هذا يحملون قوله عليه السلام : ( إذا اجتهد العالم فأخطأ ) أي فأخطأ الأفضل . الثامنة - روى مسلم وغيره عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ) هكذا لفظ الحديث في كتاب مسلم ( إذا حكم فاجتهد ) فبدأ بالحكم قبل الاجتهاد ، والامر بالعكس ، فإن الاجتهاد مقدم على الحكم ، فلا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالاجماع . وإنما معنى هذا الحديث : إذا أراد أن يحكم ، كما قال : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ " ( 2 ) [ النحل : 98 ] فعند

--> ( 1 ) في ج وز : دليلا بل . ( 2 ) راجع ج 10 ص 174 .